أحمد ياسوف
178
دراسات فنيه في القرآن الكريم
لتصوير القوة الخفية الحقيقة بالعبادة والإنابة إليها ، فينشغل المتلقي بالحدث وحده ، وهنا يثار الخيال لتصوّر شيء يضغط على الجسوم فتجسّد مستسلمة . وفي آية أخرى قامت عملية الإلقاء بتجسيم رسوخ المشاعر ، كما في قوله عز وجل : وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [ المائدة : 64 ] ، وهذه الحركة تبدأ من الخارج لتصبح داخلية توزّع فاعليتها وكتلتها بين القلوب ، وكأن العداوة والبغضاء جسم ساقط من علو ثم يتوزع بين الجسوم في سرعة تجلّيها صيغة الفعل الماضي . وكذلك قوله عز وجل : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [ الأنفال : 12 ] ، ويلحظ في الآية ، أن الحركة ذهنية وأن الرعب سينظر بقلوبهم ، والعرب يتجلى كتلة هابطة من العلو في العوالم النفسية . ومن المفردات المصورة للحركة معنى السعي الذي اختير لمناسبة بعض المواقف كما جاء في قوله تعالى : يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ [ الحديد : 12 ] ، إنه السعي الذي يكون عادة أسرع من المشي ، وهذا التعبير يقدم مشهدا حقيقيا غير قائم على المجاز ، ولكنه مثير للخيال بحيثياته الغيبية وغرابته عن واقعنا الدنيوي ، وهو في حركة ناشطة متكررة وفي تكررها إشعار بالأمان ولذة الخلود ، كما نلمس الاستمرارية في صيغة المضارع . وكذلك سعي الرجل المؤمن في قوله تعالى : وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى [ يس : 20 ] ، ليدافع عن موسى عليه الصلاة والسلام ، فالسرعة مطلوبة في هذا الموقف لانسجامها مع الدافع الشعوري القوي عند هذا المؤمن . وفي قوله عز وجل : وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى [ عبس : 8 ] ، عن